ديوان الزكاة بين النفرات وتقوية الروابط والصلات صرير القلم : د. معاوية عبيد

ديوان الزكاة بين النفرات وتقوية الروابط والصلات
صرير القلم : د. معاوية عبيد
تلك هي شعيرة الزكاة حين تتحول من فريضة تؤدى إلى جسرٍ ممتد بين أبناء الوطن تثبت دعائمها في أركان البيت السوداني وتتخطى الحواجز والعقبات وتظل حاضرةً في ساعات الشدة قبل الرخاء شاهدةً على أن الخير في هذا الشعب لا ينقطع وأن أيادي العطاء لا تعرف التراجع مهما اشتدت الظروف ، وفي ظل الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد أثبت ديوان الزكاة كل يوم أنه مؤسسة وطنية قادرة على إدارة الأزمات وابتكار المبادرات وتحويل المحن إلى فرص للعطاء والنكبات إلى أبواب للأمل .
يحمل الأمين العام لديوان الزكاة وأركان سلمه شعاراً لا يعرف التوقف: ( فإذا فرغت فانصب ) فما إن تنتهي نفرة حتى تبدأ أخرى وما إن تخفت أصوات العطاء في مكان حتى ترتفع في مكان آخر ، فبعد أن حطت رحال الديوان في أرقين لتسهيل راحة المسافرين من العائدين وتضميد أشواق الذين أبعدتهم الحرب سنين كان الرحيل إلى الجزيرة الخضراء حيث النفرة الجامعة التي امتد خيرها على أرض الجزيرة حاملةً البشريات والمشروعات فاتحةً أبواب الأمل أمام الأسر والفقراء وأصحاب الحاجات، و كان التدريب و رفع الكفاءات و تقوية للصلاة فكانت الدورة الحتمية بالقطاع الاوسط لشاغلي وظائف مدخل الخدمة .
ومن الجزيرة إلى الجبال الشرقية حيث كانت نفرة أيادي الخير لتكون لأهل الجبال الشرقية هديةً من أهل الزكاة تحمل بشريات الزراعة المطرية والمروية وقوت العام والمشروعات الإنتاجية لأصحاب الصنائع و الحرف اليدوية في رسالة واضحة مفادها أن الزكاة لا تطعم جائعاً فحسب بل تصنع يداً منتجة وتفتح باباً للرزق .
ثم يمم وفد الأمين العام وأركان سلمه شطر قضروف ود سعد حيث جاءت الدورة الحتمية الثانية لشاغلي مدخل الخدمة بالقطاع الشرقي نفرة عطاء الإحسان وكانت بحق أمَّ النفرات نفرةً جمعت أهل الفضل والإحسان بأهل الحاجة والاحتياج وامتدت فيها أيادي الخير بالمشروعات وقوت العام والخيرات لتؤكد أن أهل السودان رغم قسوة الحرب ما زالوا قادرين على صناعة الفرح من رحم المعاناة و بعدها اتجهت الأنظار إلى بطانة أبي علي إلى الشكرية أهل السعية والبطاحين أهل الكرم والعجين وإلى سائر القبائل التي جادت من خيرها وقدمت الكبش السمين وأطعمت المسكين وأعانت المحتاج وأكرمت الضيف في مشهد سوداني أصيل تتجسد فيه معاني التكافل والتراحم .
لم يضع أهل الزكاة عصا الترحال ولم يستريحوا طويلاً من عناء السفر فكان التوجه إلى بحر أبيض والجبن الأبيض حيث النفرة الخضراء في الدويم بلد العلم والشعراء وهناك كان المعرض زينةً وخيلاء وكانت المشروعات رسائل أمل تفك حيرة الفقراء وتمنح الأسر أبواباً جديدة للعيش والإنتاج و الانتاجية
إنها نفرةٌ وراء نفرة ويدٌ تمتد إلى يد وقلبٌ يلتقي بقلب ومؤسسةٌ تمضي بين الناس تحمل معهم الإحساس بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة قسوة الأيام
تداعت النفرات وتوالت البشريات ولن تقف المسيرة عند هذا الحد فطريق الزكاة طويل وأبواب الحاجة كثيرة ورسالة الديوان أوسع من حدود المكان والزمان وسيظل أهل الزكاة أوفياء لدينهم أوفياء لشعبهم أوفياء لهذه الأرض التي علمت أبناءها معنى الشهامة والتكافل ،سيظل ديوان الزكاة يغيث الملهوف ويطعم المسكين، ويعين المحتاج ويقيم المشروعات ويفتح أبواب الإنتاج ويقوي الروابط والصلات بين أبناء المجتمع
تظل النفرات مواسم للعطاء و مسيرة متصلة لإحياء شعيرة الزكاة وترسيخ قيم التكافل وتقوية النسيج الاجتماعي وصناعة الأمل في وطنٍ يستحق أن ينهض من جديد ، وبهذه النفرات المتتابعة التي يقدم ديوان الزكاة فيها العون والمشروعات وقوت العام إيضا يعمل على تقوية الروابط والصلات ومد جسور التواصل بين أبناء المجتمع ونقل التجارب والخبرات بين أهل الزكاة من العاملين عليها وبين الفقراء والمساكين والأغنياء وأصحاب المشروعات ، ففي كل نفرة تتلاقى الخبرة بالحاجة ويلتقي صاحب المال بأخيه المحتاج وتنتقل التجارب من يدٍ إلى يد ومن ولاية إلى أخرى لتصبح النفرة مدرسةً متحركةً في التكافل والعطاء يتعلم فيها الجميع أن الزكاة ليست مالاً يُعطى وينتهي أثره وإنما شعيرة عظيمة تبني الإنسان وتصون كرامته وتفتح أمامه أبواب الإنتاج والاستغناء ، وبذلك تصبح النفرات أكثر من برامج ومشروعات، إنها جسور للمودة وميادين للتعارف ومساحات لتبادل الخبرات ومناسبات لتجديد الصلات بين الأهل والأحباب وأبناء المجتمع الواحد ، فكل نفرة يطلقها الديوان تترك وراءها مشروعاً أو بسمةً أو أسرةً استعادت قدرتها على الحياة أو يداً عاملةً وجدت طريقها إلى الإنتاج لكنها في الوقت ذاته تترك أثراً أعمق : ( قلباً اقترب من قلب وغنياً شعر بمسؤوليته وفقيراً شعر أن المجتمع يقف إلى جانبه وصلةً تقوت بعد أن كادت تنقطع ) .
وهكذا تحقق الزكاة مقاصدها العظيمة فتزيل الغبن بين الفقير والمسكين وتردم الفجوة بين طبقات المجتمع وتطهر أموال الأغنياء وتزكي نفوسهم وتمنح الفقراء حقهم الذي جعله الله في أموال الاغنياء فتلتقي الحقوق بالواجبات ويتحول العطاء إلى محبة والمحبة إلى صلة والصلة إلى مجتمع أكثر تماسكاً وترابطاً .
إنها الزكاة حين تتحرك بين الناس لا تفصل الغني عن الفقير بل تجمعهما على مائدة التكافل ولا تجعل المحتاج أسيراً لحاجته بل تمد له يد العون ليقف على قدميه وينتقل من دائرة الأخذ إلى دائرة الإنتاج والعطاء
وهنا تتجلى عظمة الزكاة فهي عبادةٌ تطهر المال وتزكي النفس وتغيث المحتاج وتبني المجتمع وتقوي أواصر المحبة بين أهله ، فالزكاة عطاءٌ يتجاوز المال إلى الإنسان ويتجاوز الحاجة إلى الكرامة ويتجاوز النفرة إلى تقوية الروابط والصلات ، وما دام في هذا الوطن من يعطي ومن يسأل ومن يحمل همَّ الناس وما دام في ديوان الزكاة رجالٌ يضعون على أكتافهم أمانة هذه الشعيرة فإن راية الخير ستظل مرفوعة وستظل القافلة تمضي من نفرة إلى نفرة ومن ولاية إلى ولاية ومن قلبٍ إلى قلب .
الزكاة عطاء… ينصر … يساند …. يعمر


