مقالات الرأي
أخر الأخبار

الأصول الحكومية: من إدارة الدين إلى إدارة الثروة الوطنية*    *محمد عبد الله عنتر – باحث اقتصادي* 

*الأصول الحكومية: من إدارة الدين إلى إدارة الثروة الوطنية*

 

*محمد عبد الله عنتر – باحث اقتصادي*

 

*في* الاقتصادات الحديثة، لم تعد قوة الدولة المالية تُقاس فقط بحجم الإيرادات العامة أو مستوى الدين والعجز في الموازنة، وإنما بقدرتها على إدارة مجمل ما تملكه من أصول وما عليها من التزامات. فالدولة قد تكون مدينة، لكنها في الوقت ذاته تمتلك أراضي وعقارات ومؤسسات وشركات وموارد طبيعية وحقوقاً مالية وبنية تحتية وموانئ ومطارات واستثمارات يمكن أن تمثل ثروة اقتصادية هائلة إذا أُديرت بكفاءة.

*وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأصول الحكومية،* باعتبارها جزءاً أصيلاً من اختصاصات وزارة المالية، وعدم اختزالها في إطار إدارة الدين العام فقط. فالأصول الحكومية ليست مجرد بند محاسبي، بل هي ثروة وطنية يجب إدارتها ضمن منظومة مالية متكاملة تستهدف تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

*ويؤكد* الاتجاه الدولي في إدارة المالية العامة أهمية الانتقال من التركيز الضيق على العجز والدين إلى إدارة الميزانية العمومية للقطاع العام، التي تجمع بين الأصول والالتزامات وتساعد على قياس صافي ثروة الدولة وإدارة المخاطر وتحسين العوائد.

*الأصول الحكومية ليست مجرد ممتلكات*

الأصل الحكومي هو كل مورد تملكه أو تسيطر عليه الدولة ويمكن أن تكون له قيمة اقتصادية حالية أو مستقبلية. ويشمل ذلك الأصول المالية وغير المالية.

وتندرج ضمنها الأراضي الحكومية، والعقارات والمباني، والموانئ والمطارات والمنشآت العامة، وشبكات الطرق والبنية التحتية، والشركات والمؤسسات الحكومية، والحصص في الشركات، والاستثمارات المالية، وحقوق التعدين والطاقة والموارد الطبيعية، إضافة إلى بعض الحقوق والامتيازات والأصول غير الملموسة ذات القيمة الاقتصادية.

*وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: كم تمتلك الدولة من الأموال؟ وإنما: كم تبلغ قيمة الثروة التي تملكها الدولة، وما العائد الذي تحققه هذه الثروة؟*

وهذا التحول في طريقة التفكير مهم للغاية؛ لأن التركيز على التدفقات النقدية وحدها يجعل الدولة تنظر إلى الموازنة من زاوية الإيرادات والمصروفات والعجز، بينما تتجاهل جانباً مهماً يتمثل في المخزون الهائل من الثروة العامة. وقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصار على مؤشرات الدين والعجز قد يحجب أجزاء واسعة من النشاط الحكومي والثروة العامة.

*البداية: حصر الأصول وبناء سجل وطني للثروة*

لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه، ولا يمكن استثمار أصل لا تعرف الدولة موقعه أو ملكيته أو قيمته أو حالته القانونية والاقتصادية.

لذلك فإن الخطوة الأولى يجب أن تتمثل في إنشاء السجل الوطني الموحد للأصول الحكومية داخل وزارة المالية، بحيث يتم حصر جميع الأصول على مستوى الحكومة المركزية والولايات والمؤسسات والشركات العامة، مع منع تعدد السجلات وتضارب البيانات.

*ويجب أن يتضمن السجل، على الأقل:*

– موقع الأصل وملكيته ووضعه القانوني.

– قيمته الدفترية والقيمة السوقية التقديرية.

– حالته الفنية والتشغيلية.

– الإيرادات التي يحققها.

– تكاليف تشغيله وصيانته.

– الجهة التي تديره.

– مستوى استغلاله.

– الالتزامات المرتبطة به.

– إمكانية استثماره أو تطويره أو تأجيره أو الشراكة فيه.

– المخاطر القانونية والمالية المرتبطة به.

وتشير منهجيات إدارة الميزانية العمومية للقطاع العام إلى ضرورة البدء بجرد مادي شامل للأصول، وحصر الأصول المالية وغير المالية والالتزامات، ثم تقييمها وتحديث بياناتها بصورة دورية.

*من الحصر إلى التصنيف الاقتصادي*

بعد الحصر، تأتي مرحلة أكثر أهمية، وهي تصنيف الأصول وفقاً لوظيفتها الاقتصادية وليس فقط وفق طبيعتها المحاسبية.

 

*يمكن تقسيمها إلى أربع مجموعات رئيسية:*

 

أولاً: أصول استراتيجية وسيادية

وهي الأصول التي ترتبط بالأمن القومي أو الخدمات الأساسية أو الموارد السيادية، وتظل إدارتها ضمن مسؤولية الدولة عبر وزارة المالية بما يضمن حمايتها وحسن توظيفها.

ثانياً: أصول منتجة ومدرة للدخل

مثل الشركات والاستثمارات والعقارات والمرافق التي تحقق عوائد مالية ويمكن رفع كفاءتها وزيادة إيراداتها.

ثالثاً: أصول غير مستغلة أو منخفضة الاستغلال

وهي التي تمتلكها الدولة لكنها لا تحقق عائداً يتناسب مع قيمتها، ويمكن إعادة هيكلتها أو تأجيرها أو تطويرها أو إدخال القطاع الخاص في استثمارها.

رابعاً: أصول قابلة للتسييل أو الاستخدام في التمويل

وهي الأصول التي يمكن، وفق القانون ودراسات الجدوى والضوابط المالية، استخدامها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عمليات تمويلية أو إصدار أدوات مالية مرتبطة بتدفقات نقدية مستقبلية.

*وهنا* يجب التأكيد على أن تسييل الأصول لا يعني بيع ممتلكات الدولة لسد العجز بصورة عشوائية؛ بل هو جزء من إدارة مالية رشيدة تهدف إلى تحويل الأصول إلى مصدر للقيمة المستدامة ضمن إطار وزارة المالية.

 

*إدارة الأصول ضمن وزارة المالية: تكامل لا انفصال*

 

في النموذج الحديث لإدارة المالية العامة، لا يمكن فصل إدارة الأصول عن وزارة المالية، بل يجب أن تكون جزءاً من بنيتها المؤسسية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن السياسة المالية للدولة وإدارة ميزانيتها العمومية.

فإدارة الدين تهدف إلى إدارة الالتزامات الحكومية، بينما إدارة الأصول تهدف إلى تعظيم الثروة العامة. لكن كلاهما يعملان داخل إطار واحد هو وزارة المالية، بما يضمن التكامل بين إدارة الالتزامات وإدارة الثروة.

*ويعني* هذا أن وزارة المالية لا تقتصر على إدارة الإيرادات والإنفاق والدين، بل تمتد مسؤوليتها لتشمل إدارة الأصول الحكومية باعتبارها جزءاً من الميزانية العمومية للدولة.

وقد أصبح هذا التوجه جزءاً من الفكر المالي الحديث الذي يربط بين إدارة الدين وإدارة الأصول والاستثمار العام ضمن إطار موحد للميزانية العمومية.

 

*إنشاء إدارة عامة للأصول الحكومية داخل وزارة المالية*

 

ضمن هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إنشاء إدارة عامة متخصصة للأصول الحكومية داخل وزارة المالية، تتبع مباشرة لوزير المالية.

ويعني هذا النموذج أن إدارة الأصول تصبح ذراعاً تنفيذياً متخصصاً داخل الوزارة، لكنها تتمتع باستقلال مهني ومرجعية فنية واضحة، مع ارتباط مباشر بصانع القرار المالي الأول في الدولة.

 

*ويحقق هذا الترتيب عدة مزايا:*

 

– توحيد المرجعية المالية بين الدين والأصول داخل وزارة المالية.

– تسريع اتخاذ القرار الاستثماري المرتبط بالأصول.

– تعزيز الرقابة السياسية المباشرة من وزير المالية.

– ضمان التكامل بين إدارة الموازنة وإدارة الثروة.

– رفع كفاءة استخدام الأصول العامة ضمن السياسة المالية للدولة.

*وتكون هذه الإدارة مسؤولة عن:*

1. إنشاء وتحديث السجل الوطني للأصول.

2. تقييم الأصول وفق أسس مهنية مستقلة.

3. تصنيف الأصول بحسب طبيعتها الاقتصادية والاستراتيجية.

4. وضع استراتيجيات استثمار الأصول.

5. تطوير الأصول غير المستغلة.

6. إدارة المحافظ الاستثمارية الحكومية.

7. إعداد دراسات الشراكة مع القطاع الخاص.

8. تعظيم العائد من الشركات والأصول الحكومية.

9. اقتراح الأصول التي يمكن استخدامها في عمليات التمويل.

10. مراقبة أداء الأصول ومؤشرات العائد عليها.

11. تقديم تقرير سنوي لوزير المالية ومجلس الوزراء والبرلمان والرأي العام عن حجم الأصول وأدائها.

ويجب أن تخضع هذه الإدارة لمعايير صارمة من الشفافية والتدقيق والمساءلة، باعتبارها جزءاً من وزارة المالية المسؤولة عن المال العام.

 

*الأصول كأداة لتمويل التنمية وليس فقط سد العجز*

 

أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من مفهوم بيع الأصول لتغطية العجز إلى مفهوم توظيف الأصول لخلق موارد وتمويل الاستثمار.

 

فإذا كانت الدولة تمتلك أرضاً ذات موقع اقتصادي مهم، فإن بيعها مرة واحدة قد يوفر إيراداً آنياً، لكنه ينهي حق الدولة في العائد المستقبلي. أما تطويرها عبر شراكة استثمارية أو تأجير طويل الأجل أو مشروع إنتاجي، فيمكن أن يولد تدفقات مالية مستمرة ويخلق وظائف ونشاطاً اقتصادياً.

*وهنا* يمكن تطوير أدوات تمويلية تستند إلى أصول أو تدفقات نقدية محددة، مثل السندات المرتبطة بإيرادات مشروعات منتجة، أو صكوك تمويلية مرتبطة بأصول مؤهلة، أو شراكات استثمارية، أو صناديق متخصصة لتطوير الأراضي والمرافق العامة.

لكن هذه الأدوات يجب أن تستخدم ضمن إطار وزارة المالية وبضوابط صارمة لإدارة المخاطر؛ فليس كل أصل حكومي يصلح أن يكون ضماناً للدين، وليس كل أصل ينبغي رهنه.

*تمويل المشروعات الإنتاجية*

يمكن أن تصبح إدارة الأصول الحكومية داخل وزارة المالية حلقة أساسية بين الثروة العامة والاستثمار.

فبدلاً من توجيه الموارد المحدودة إلى الإنفاق الجاري فقط، يمكن تحديد مجموعة من الأصول ذات القيمة الاقتصادية، وتطويرها من خلال شراكات محلية ودولية، واستخدام العوائد الناتجة عنها في تمويل مشروعات إنتاجية في قطاعات مثل الزراعة والصناعة والطاقة والنقل واللوجستيات والتعدين والتكنولوجيا.

 

وبذلك يتحول الأصل من ممتلك ساكن إلى رأس مال منتج.

*وتشير* الدراسات الدولية إلى أن تحسين إدارة الأصول العامة يمكن أن يزيد الإيرادات، ويخفض المخاطر، ويحسن عملية صنع السياسات المالية، كما أن قوة الميزانية العمومية للدولة يمكن أن تعزز قدرتها على مواجهة الأزمات.

 

*الأصول الحكومية وتنشيط الاقتصاد*

 

إن الإدارة الحديثة للأصول الحكومية داخل وزارة المالية لا تهدف فقط إلى تحسين الحسابات الحكومية، وإنما يمكن أن تصبح أداة مباشرة لتنشيط الاقتصاد الوطني.

فعندما يتم تطوير الأراضي غير المستغلة، تنشأ مشروعات جديدة. وعندما تتم إعادة هيكلة الشركات الحكومية، ترتفع الإنتاجية. وعندما يتم استثمار الموانئ والمطارات والطرق، تتوسع حركة التجارة. وعندما يتم استثمار الموارد الطبيعية وفق عقود عادلة وشفافة، تتولد قيمة مضافة وفرص عمل وعائدات عامة.

وبذلك يصبح الأصل الحكومي جزءاً من الدورة الاقتصادية:

أصل عام, استثمار, إنتاج, وظائف, صادرات, إيرادات, نمو اقتصادي, زيادة قيمة الأصول.

وهذه هي الحلقة التي ينبغي أن تنتقل إليها الدولة بدلاً من الحلقة التقليدية:

 

عجز, اقتراض, زيادة الدين, خدمة دين, ضغط على الموازنة.

 

*نحو ميزانية تقيس الثروة لا العجز فقط*

 

إن إصلاح إدارة الأصول الحكومية داخل وزارة المالية يجب أن يكون جزءاً من إصلاح أوسع في إدارة المالية العامة، يقوم على إعداد ميزانية عمومية وطنية للقطاع العام تظهر بوضوح ما تملكه الدولة وما عليها من التزامات.

وهذا يتوافق مع الاتجاه الدولي نحو توسيع نطاق التقارير المالية الحكومية لتشمل الأصول والالتزامات المالية وغير المالية، بما يسمح بقياس صافي ثروة القطاع العام بصورة أكثر شمولاً.

وعندها لن يكون السؤال السنوي للحكومة هو فقط: كم يبلغ عجز الموازنة؟ بل ستضاف إليه أسئلة أكثر أهمية:

كم تبلغ قيمة أصول الدولة؟ كم العائد الذي تحققه؟ كم منها غير مستغل؟ وما القيمة التي يمكن أن نضيفها إليها خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة؟

هذه الأسئلة تنقل الدولة من إدارة الأزمة إلى إدارة الثروة.

*الخلاصة* : الثروة الحكومية تحتاج إلى عقلية مالية جديدة

*إن إنشاء* إدارة عامة متخصصة للأصول الحكومية داخل وزارة المالية، تتبع مباشرة لوزير المالية، ليس مجرد تعديل إداري، وإنما يمثل تحولاً في فلسفة إدارة الدولة للاقتصاد.

فالأصول الحكومية ليست مخزوناً من الممتلكات، بل هي رأس مال وطني يجب أن يُدار ضمن منظومة وزارة المالية باعتباره جزءاً من الميزانية العمومية للدولة.

والتحدي الحقيقي ليس فقط في البحث عن موارد جديدة، وإنما في معرفة حجم الموارد الموجودة بالفعل، وتقييمها، وحمايتها، وإعادة توظيفها، وتحويلها إلى استثمارات منتجة.

*ومن هنا* يمكن أن تصبح إدارة الأصول الحكومية داخل وزارة المالية إحدى أهم الأدوات الاقتصادية في الدولة الحديثة، بشرط أن تقوم على الحوكمة، والشفافية، والتقييم المستقل، وربط الاستثمار بأهداف التنمية.

فالاقتصاد الذي ينظر إلى الأصول باعتبارها ثروة قابلة للإدارة والاستثمار يمتلك فرصة أكبر لصناعة النمو، بدلاً من الاكتفاء بإدارة العجز.

*وفي الحالة السودانية،* قد تكون إعادة اكتشاف وإدارة الثروة العامة داخل وزارة المالية واحدة من أهم الأدوات التي تسمح بالانتقال من اقتصاد يعاني من ندرة التمويل إلى اقتصاد يستطيع تعبئة موارده الداخلية وتمويل إنتاجه وبناء قدرته على النمو من داخل ميزانيته العمومية.

إن المستقبل لا ينبغي أن يكون مرهوناً فقط بزيادة الضرائب أو الاقتراض أو المساعدات الخارجية؛ بل بقدرة الدولة على تحويل ما تملكه بالفعل إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى