
نظافة البيئة… سلوك حضاري ومسئولية مجتمعية درة زمن …….د.امانى احمد خالد
في صباح يوم عادي، خرجت من منزلي متوجهً إلى موقع العمل. وكعادتي، كنت أجد بعض جاراتي ينظفن أمام بيوتهن، فألقي عليهن السلام، وأواصل طريقي. لكن ذلك الصباح جعلني أتوقف قليلًا عند مشاهد تبدو عادية في حياتنا اليومية، لكنها في حقيقتها تحمل الكثير من الدلالات حول علاقتنا بالبيئة من حولنا. وأثناء سيري، وجدت نفسي أسير بجوار ميدان كبير في أحد الأحياء، وهو متنفس جميل للمنازل، ومكان يلعب فيه أطفال الحي كرة القدم. ولكن الملفت للنظر أن أطراف الميدان كانت تعج بالقمامة المتراكمة ولا تسر عين الناظر . تساءلت: هل نحن حريصون فقط على نظافة منازلنا و المساحة أمام منازلنا، ثم نلقي بما نريد التخلص منه بعيدًا عن أبوابنا، حتى وإن كان ذلك في الميدان الذي يتنفس فيه أطفالنا ويلعبون ومتنفس للجميع ؟ المشهد الثاني كان أكثر إزعاجًا؛ فقد لاحظت ظاهرة حرق النفايات داخل الأحياء السكنية. وربما يعتقد البعض أن حرق الأوساخ هو أسرع وسيلة للتخلص منها، لكنه في الواقع يحوّل النفايات إلى دخان يستنشقه الجميع، ويصبح الضرر أكبر على من يعانون من الحساسية سواء اطفال اوكبار السن ومن يتأثرون بالدخان والملوثات. ثم كان المشهد الثالث؛ طفل يرتدي ملابس الرياض يبدو أنه في طريقه إلى الروضة، لكنه وجد في الشارع الذى يودى الى وجهته ماسورة مياه متدفقة، وقد امتلأت الأرض بالمياه، بينما يمضي الناس في طريقهم وكأن شيئًا لم يكن. ثلاثة مشاهد في صباح واحد: قمامة في ميدان، ونفايات تُحرق داخل حي سكني، ومياه تهدر في الطريق. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو السلوك. فالنظافة ليست مجرد حاويات توضع في الشوارع، ولا سيارات تأتي لجمع النفايات، ولا عمال نظافة يقومون بواجبهم؛ النظافة قبل كل ذلك سلوك مكتسب يبدأ من الإنسان نفسه. ليست نظافة البيئة مجرد مشهد جميل نراه في الشوارع والأحياء، وليست مسؤولية تقع على عاتق عمال النظافة وحدهم، وإنما هي سلوك حضاري يعكس وعي المجتمع، واحترام الإنسان للمكان الذي يعيش فيه وللآخرين من حوله. فالإنسان يقضي حياته في بيئة مشتركة؛ يسكن في منزل، ويمر عبر شارع، ويجلس في ميدان، ويرتاد الأسواق والمدارس والمستشفيات والحدائق. وكل هذه الأماكن ليست ملكًا لشخص واحد، وإنما هي جزء من البيئة التي تجمعنا جميعًا، ولذلك فإن المحافظة عليها مسؤولية مشتركة. وقد جاء الإسلام بقيم عظيمة تحث على الطهارة والنظافة وإزالة الأذى، وجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة. كما قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهي قاعدة عظيمة تؤكد أن المسؤولية تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة. ومع الأسف، نرى في بعض الأحياء سلوكيات تتناقض مع هذه القيم؛ فنجد النفايات تُلقى في أطراف الميادين، أو تُترك بالقرب من المنازل، وقد يقوم البعض بحرقها داخل الأحياء دون إدراك لما يسببه الدخان من تلوث للهواء وإضرار بالبيئة وصحة السكان. والأخطر من ذلك أن بعض هذه السلوكيات أصبحت مألوفة، وكأنها أمر طبيعي. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ لأن السلوك الخاطئ عندما يتكرر يتحول إلى عادة، والعادة عندما تنتشر تصبح ثقافة يصعب تغييرها. لذلك فإن معركة النظافة ليست مع القمامة وحدها، وإنما هي مع السلوك الذي ينتج القمامة ويلقي بها في غير مكانها. ومن هنا تبدأ التربية الحقيقية. فالطفل الذي يرى أسرته تحافظ على نظافة منزلها والشارع أمامه، وتضع النفايات في الأماكن المخصصة لها، وتحافظ على الحدائق والميادين، سيتعلم منذ الصغر أن النظافة مسؤولية شخصية وليست مهمة الآخرين. كما أن للمدرسة والمسجد والإعلام ومؤسسات المجتمع دورًا مهمًا في ترسيخ هذا السلوك، من خلال التوعية المستمرة، وإطلاق المبادرات المجتمعية، وتشجيع الأحياء على تنظيم حملات للنظافة والتشجير والمحافظة على المرافق العامة. ولا يمكن أن ينجح ذلك دون دور فاعل للدولة والسلطات المحلية، من خلال توفير حاويات النفايات، وتنظيم عمليات الجمع والترحيل، ومعالجة مصادر التلوث، وتطبيق القوانين على من يتعمد تلويث الأماكن العامة. لكن القانون وحده لا يكفي؛ فالمجتمع الذي يحافظ على نظافته خوفًا من العقوبة سيحتاج دائمًا إلى رقابة، بينما المجتمع الذي يحافظ عليها لأنها أصبحت قيمة وسلوكًا راسخًا يستطيع أن يبقى نظيفًا حتى في غياب الرقيب. إن السودان يمتلك طبيعة جميلة وميادين واسعة تستحق منا المزيد من الاهتمام. وما أجمل أن تتحول أحياؤنا إلى مساحات نظيفة، وأن تكون مياديننا متنفسًا حقيقيًا للانسان وأن يجد المارة طرقًا خالية من النفايات والمياه الراكدة، وأن نتعامل مع البيئة باعتبارها أمانة في أعناقنا. إن نظافة البيئة تبدأ بخطوة صغيرة جدًا: أن يقرر كل واحد منا ألا يكون جزءًا من المشكلة. لا ترمِ النفايات في الطريق، لا تحرقها بين المنازل، لا تهدر المياه، لا تلوث الميدان الذي يلعب فيه أطفالك، وانصح من حولك بالحسنى. فإذا بدأ الفرد، وتعاونت الأسرة، وتحرك الحي، وقامت المؤسسات بدورها، أصبح من الممكن أن تتحول النظافة من حملة موسمية إلى سلوك يومي وثقافة مجتمعية. وفي النهاية، فإن نظافة المكان ليست انعكاسًا لجماله فقط، بل انعكاس لجمال الإنسان الذي يعيش . والسودان الذي حباه الله بطبيعة جميلة ومساحات واسعة وبيئة مميزة، يستحق أن نحافظ على جماله. فالبيئة ليست ملكًا لجيلنا وحده، وإنما أمانة سنتركها لأبنائنا وأحفادنا. فلنجعل نظافة البيئة جزءًا من يومياتنا
نسق لى هذا المقال ليكون مميزا

