مقالات الرأي
أخر الأخبار

صرير القلم : د. معاوية عبيد  انقلب السحر على الساحر… المواطن السوداني أصبح ساحراً !

صرير القلم : د. معاوية عبيد

انقلب السحر على الساحر… المواطن السوداني أصبح ساحراً !

هناك مثل عربي شهير يقول : ( انقلب السحر على الساحر ) ويُضرب عندما يدبّر المرء أمراً ليصيب به غيره فإذا به يرتد عليه ويقع في شر أعماله ،لكنني وأنا أتأمل أحوال المواطن السوداني اليوم أجدني أمام معنى آخر لهذا المثل معنى يجعلني أتساءل : هل انقلب السحر على الساحر أم أن المواطن السوداني نفسه أصبح ساحراً؟

دعونا نترك السياسة جانباً للحظة ونمسك بالآلة الحاسبة ونستدعي موظفاً سودانياً بسيطاً راتبه الشهري أربعمائة ألف جنيه لا يملك ذهباً في باطن الأرض، ولا منجماً في أطراف البلاد ولا حقلاً للبترول ولا حساباً مصرفياً في الخارج كل ما يملكه راتب ينتظره آخر الشهر وأسرة تنتظر منه أن يصنع المعجزات

هذا الموظف يحتاج وفق حساب افتراضي متواضع إلى خمسة آلاف جنيه يومياً لشراء الخبز أي مائة وخمسين ألف جنيه في الشهر أما اللحم والخضار فلنفترض أنه يشتريهما بمائتي ألف جنيه أسبوعياً أي ثمانمائة ألف جنيه شهرياً ثم تأتي مصروفات المدارس والترحيل إن وُجد بنحو أربعمائة ألف جنيه في الشهر حتى إن كانت المدارس حكومية ونضيف مليون جنيه للكهرباء والمياه والعلاج في الشهر ايضا

دعونا نجمع الحساب وحتى لا نظلم الآلة الحاسبة فإن هذا المجموع وفق الأرقام المذكورة هو مليونان وثلاثمائة وخمسون ألف جنيه ولم ندخل في الحساب الإيجار والمواصلات والملابس والاتصالات والنظافة ومستلزمات المنزل والمناسبات الاجتماعية ولا طوارئ المرض والحياة التي لا تستأذن أحداً قبل أن تأتي والآن أعيدوا النظر إلى ذلك الموظف المسكين راتبه أربعمائة ألف جنيه بينما احتياجاته الأساسية في هذا المثال تبلغ مليونين وثلاثمائة وخمسين ألفاً أي إنه يحتاج إلى ما يقارب ستة أمثال راتبه قبل أن يحسب بقية مصروفات الحياة فمن أين يأتي بهذا الفارق؟

هنا يا سادتي أقولها بكل جدية وسخرية في آن واحد : أليس المواطن السوداني ساحراً بالفعل؟

زول مرتبه أربعمائة ألف جنيه ويُطلب منه أن يصرف أكثر من مليونين وأن يطعم أبناءه ويعلّمهم ويعالجهم ويوفر لهم الماء والكهرباء ويحافظ على مظهره الاجتماعي ثم يخرج في الصباح التالي إلى عمله وكأن شيئاً لم يكن !

من أين يأتي بهذه الأموال؟

إنه في الحقيقة ساحر من طراز نادر لا يملك أدوات السحر لكنه مطالب بصناعة المعجزات كل يوم !

وإذا كان هذا حال الموظف فكيف بحال العامل الذي يتقاضى أجراً يومياً ؟ وكيف بمن فقد وظيفته ؟ وكيف بالأرملة التي تعول أطفالاً ؟ وكيف بالنازح الذي فقد منزله ومصدر رزقه ثم وجد نفسه مطالباً بإعادة بناء حياته من الصفر؟

ولكي نفهم المفارقة أكثر علينا أن نتذكر أن المواطن السوداني عاش زمناً كانت فيه الدولة تتحمل جانباً كبيراً من أعباء التعليم والصحة والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية، لم تكن تلك المرحلة جنة خالية من المشكلات ولم تكن الدولة يومها بلا أزمات لكن المواطن كان يشعر بأن هناك دولة تقف إلى جانبه وأن راتبه على محدوديته يستطيع أن يسهم في إعالة أسرته وتدبير شؤونها

بل إن الموظف كان حاضراً في الغناء الشعبي وكانت له مكانة اجتماعية لأن الوظيفة والراتب كانا يعنيان شيئاً من الاستقرار والقدرة على مواجهة متطلبات الحياة ، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة بصورة تدعو إلى الدهشة والحسرة معاً ، في الماضي كانت الدولة تدعم المواطن في جوانب أساسية من حياته واليوم أصبح المواطن يدفع من جيبه للتعليم والصحة والمياه والكهرباء والنفايات ويواجه ارتفاع الأسعار من راتب لا يستطيع اللحاق بها وكأن الدولة بدلاً من أن تخفف عنه أعباء الحياة تركته يواجهها وحده بل وتطالبه بأن يتحمل ما تستطيع وما لا تستطيع توفيره .

وهنا لا بد من سؤال أكبر من حكاية الراتب والمصروفات : كيف يعيش المواطن في بلد غني بالموارد بينما يعجز دخله عن تغطية الحد الأدنى من احتياجات أسرته ؟

السودان بلد الأرض الزراعية الواسعة والمياه والثروة الحيوانية والذهب والمعادن والإمكانات البشرية الهائلة ومع ذلك يظل المواطن البسيط في صراع يومي مع رغيف الخبز وجرعة الدواء ورسوم المدرسة وفاتورة الكهرباء لا تكمن المشكلة في أن السودان يفتقر إلى الإمكانات فحسب بل في السؤال عن كيفية إدارة هذه الإمكانات وكيف تتحول الثروات الوطنية إلى إنتاج وخدمات وفرص عمل ودخل يحفظ كرامة الإنسان

فالثروة التي لا تنعكس على حياة الناس تظل رقماً في دفاتر الاقتصاد مهما عظمت والموارد التي لا تتحول إلى تعليم جيد وعلاج متاح ومياه نظيفة وكهرباء مستقرة وفرص عمل منتجة لن تمنح المواطن الشعور بالغنى حتى لو كان يعيش فوق أرض من ذهب

وليس المقصود أن تتحمل الدولة كل شيء دون موارد أو أن الخدمات لا تكلف مالاً فالدولة تحتاج إلى إيرادات والمواطن عليه واجبات كما أن له حقوقاً لكن العدالة تقتضي أن تتناسب الأعباء مع القدرة على الدفع وأن تكون هناك علاقة واضحة بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من خدمات وألا يصبح الفقر عقوبة إضافية لمن لا يملك إلا راتبه

كما أن المواطن ليس مسؤولاً وحده عن الحروب ولا عن التضخم ولا عن تراجع قيمة العملة ولا عن كل الاختلالات التي تثقل كاهله ولذلك لا يجوز أن تتحول معاناته إلى أمر اعتيادي أو أن يُطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية دون حلول حقيقية تعيد إلى دخله قيمته وإلى حياته توازنها

إن المواطن السوداني لم يصبح ساحراً لأنه يملك المعجزات؛ بل لأنه مضطر إلى أن يعيش بما يشبه المعجزة

إنه يدبّر ما لا يمكن تدبيره ويقسم القليل على الكثير ويؤجل حاجات اليوم إلى الغد ويستدين من أجل الضروريات ويستغني عن بعض احتياجاته ليغطي احتياجات أخرى وقد يخرج من الشهر مثقلاً بالديون لكنه يستيقظ في الصباح التالي ليبدأ الجولة نفسها ، وهذه هي المأساة التي تختبئ خلف الأرقام ، فحين يصبح الراتب أقل بكثير من تكلفة المعيشة لا تعود المشكلة مجرد سوء تدبير منزلي ولا يمكن حلها بنصائح الاقتصاد في الإنفاق وحدها، إنما تصبح قضية تتصل بالأجور والأسعار والإنتاج والسياسات الاقتصادية والخدمات العامة والحماية الاجتماعية .

ومن هنا نعود إلى عنواننا : ( انقلب السحر على الساحر)

لكن من هو الساحر الذي انقلب عليه سحره؟ لا ينبغي أن نبحث عن إجابة سهلة أو نتهم جهة بعينها دون دليل الأجدى أن ننظر إلى منظومة الاختلالات التي جعلت المواطن يتحمل أعباء تتجاوز قدرته وأن نسأل كيف يمكن تصحيح هذه المعادلة قبل أن تستنزف الإنسان نفسه

فالدولة لا تقوى بإضعاف مواطنها والاقتصاد لا يتعافى حين يصبح معظم دخل الأسرة مخصصاً للبقاء على قيد الحياة والتنمية لا تتحقق إذا كان العامل والموظف والمزارع يقضون يومهم في محاولة سد الفجوة بين ما يكسبون وما يحتاجون إليه .

إن أول طريق الإصلاح هو الاعتراف بأن الأرقام لم تعد متوازنة، وأن راتب أربعمائة ألف جنيه لا يمكن أن يغطي احتياجات تتجاوز المليونين، مهما بلغت براعة صاحبه في التدبير.

أما المواطن السوداني، الذي صار ساحراً رغماً عنه، فلا يريد عصا سحرية ولا معجزة اقتصادية بين ليلة وضحاها كل ما يريده أن يعمل فيجد ثمرة عمله وأن يتقاضى راتباً يحفظ له الحد الأدنى من الحياة الكريمة وأن يجد مدرسة لأبنائه وعلاجاً لأسرته وماءً وكهرباءً وخدمات لا تحوّل يومه إلى سلسلة من المعارك الصغيرة .

فهل يُعقل أن يكون المواطن السوداني ساحراً في تدبير مصروفاته وعاجزاً في الوقت نفسه عن الاستمتاع بثروات بلاده؟

إنه سؤال يستحق أن تتوقف عنده الدولة، قبل أن تتوقف عنده الآلة الحاسبة

ورغم كل ذلك تظل رحمة الله واسعة كما قال سبحانه وتعالي : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) ونؤمن إيماناً لا يتزعزع بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وأن أبواب فضله لا تغلق وأن الأرزاق بيده وحده يأتي بها من حيث لا نحتسب،

لكنني وأنا أتأمل حال هذا المواطن السوداني أسأل : أليس من رحمة الله أن يسعى الإنسان في أرضه ويجد ثمرة سعيه؟ أليس من تمام شكر النعمة أن تُدار ثروات البلاد بما يعود بالخير على أهلها ؟ أليس من العدل أن ينال العامل والموظف والمزارع نصيباً من ثمار جهده، وأن يجد المواطن في وطنه ما يعينه على العيش الكريم ؟

نعم الله هو الرزاق ونحن نؤمن بذلك، لكن الإيمان بالرزق لا يعني أن نتوقف عن السؤال عن أسباب ضيق المعيشة ولا أن نجعل الصبر بديلاً عن الإصلاح أو أن نحمّل المواطن وحده مسؤولية التكيف مع واقع يفوق قدرته ، فالسعي مطلوب والأخذ بالأسباب مطلوب والأمانة في إدارة المال العام مسؤولية والعدل في توزيع الأعباء والفرص واجب ،وهنا أعود إلى صاحب الراتب الأربعمائة ألف جنيه ذلك الذي يحتاج إلى أكثر من مليوني جنيه لتغطية أبسط احتياجات أسرته قد يفتح الله عليه من أبواب الرزق ما لا يخطر له على بال وقد يبارك له في القليل حتى يكفيه وهذه من أسرار الرزق التي نؤمن بها لكن هل يجوز أن نبني حساباتنا الاقتصادية على انتظار المعجزات ونترك المواطن يبحث عن مخرج بين راتب لا يكفي واحتياجات لا تنتظر؟

رحمة الله واسعة نعم لكن المسؤولية أيضاً واسعة والأمانة عظيمة وحقوق الناس لا ينبغي أن تضيع بين الرجاء في رحمة الله والسكوت عن اختلال الواقع

إننا لا نشك في رزق الله وإنما نسأل عن نصيب المواطن من خيرات أرضه ولا نعترض على قضاء الله وإنما نتساءل عن دور الإنسان في إصلاح ما أفسده الإنسان ، فالله سبحانه وتعالى أمر بالسعي وحث على العدل وجعل أداء الأمانات من أعظم الواجبات

فيا أيها المواطن السوداني لا تيأس من رحمة الله ولا تفقد إيمانك بكرمه لكن من حقك أيضاً أن تسأل : لماذا أعيش في بلد يملك كل هذه الموارد ثم أحتاج إلى ما يشبه المعجزة حتى أوفّق بين راتبي ومصروفاتي؟

نؤمن بأن الله هو الرزاق، لكننا نريد إدارةً رشيدةً للأرزاق التي جعلها الله في أرضنا وعدالةً تحفظ كرامة الإنسان ووطناً لا يحتاج فيه المواطن إلى أن يكون ساحراً حتى يستطيع أن يعيش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى