مقالات الرأي
أخر الأخبار

بناء الدولة أولاً: لماذا لم ينهض السودان رغم ثرواته؟*   

*بناء الدولة أولاً: لماذا لم ينهض السودان رغم ثرواته؟*

 

في كل مرة يدخل السودان في أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل مشكلتنا اقتصادية؟ أم سياسية؟ أم اجتماعية؟ وتتباين الإجابات بحسب زاوية النظر، إلا أن الحقيقة التي تؤكدها التجربة السودانية، كما تؤيدها تجارب الأمم التي خرجت من الحروب إلى التنمية، هي أن هذه الأزمات ليست منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة، تبدأ من السياسة، وتمر بالاقتصاد، وتنتهي بالمجتمع.

 

لقد أُرهق السودانيون لعقود بنقاشات تدور حول ارتفاع الأسعار، وانهيار قيمة العملة، واتساع رقعة الفقر، وتدهور الخدمات، وكأن هذه الظواهر هي أصل الأزمة. لكنها في الواقع ليست سوى أعراض لمرض أعمق، يتمثل في ضعف الدولة ومؤسساتها، وغياب مشروع وطني جامع، واستمرار الصراع على السلطة بدلاً من التنافس على بناء الوطن.

من المفارقات أن السودان يُعد من أغنى الدول الإفريقية من حيث الموارد الطبيعية. فهو يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية ضخمة، واحتياطيات معتبرة من الذهب والمعادن، وموارد مائية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يربط إفريقيا بالعالم العربي والبحر الأحمر. ومع ذلك، ظل الاقتصاد يعاني من الهشاشة، لأن الثروة وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها المؤسسات الرشيدة والإدارة الكفؤة والاستقرار السياسي.

 

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهض لأنها غنية بالموارد، بل لأنها غنية بالمؤسسات. وهناك دول تفتقر إلى الموارد الطبيعية لكنها أصبحت من أكبر الاقتصادات في العالم بفضل الحوكمة الرشيدة والاستثمار في الإنسان، بينما بقيت دول غنية بالموارد تعاني من الصراعات والفقر بسبب سوء الإدارة وضعف الدولة.

 

إن الاقتصاد لا يزدهر في بيئة يسودها عدم اليقين. فلا مستثمر يغامر بأمواله في ظل الحرب، ولا قطاع خاص يستطيع التوسع في غياب سيادة القانون، ولا عملة وطنية يمكن أن تستقر في ظل العجز المالي والانقسام المؤسسي. ولذلك فإن معالجة الأزمة الاقتصادية دون إصلاح سياسي ومؤسسي تشبه معالجة أعراض المرض مع ترك أسبابه الحقيقية.

 

وفي المقابل، فإن الأزمة الاجتماعية التي يعيشها السودان ليست منفصلة عن هذا الواقع. فالنزوح، والهجرة، وتراجع التعليم، وضعف الخدمات الصحية، واتساع الفجوة بين الأقاليم، وتصاعد الانقسامات المجتمعية، كلها نتائج تراكمت بسبب عقود من غياب التنمية المتوازنة وضعف مؤسسات الدولة، وليس بسبب التنوع الاجتماعي أو الثقافي في حد ذاته. فالتنوع، إذا أُحسن إدارته، يمثل مصدر قوة لا سببًا للصراع.

 

وتقدم التجارب الدولية دروسًا بالغة الأهمية. فقد خرجت رواندا من واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في القرن العشرين، لكنها اختارت بناء الدولة قبل كل شيء، ورسخت سيادة القانون، ورفعت كفاءة المؤسسات، وجعلت مكافحة الفساد أولوية وطنية. كما تحولت فيتنام، بعد سنوات طويلة من الحرب، إلى اقتصاد صناعي منفتح على العالم. أما كوريا الجنوبية، التي كانت في خمسينيات القرن الماضي أفقر من كثير من الدول النامية، فقد أصبحت اليوم من القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى بفضل التعليم والانضباط المؤسسي والتخطيط طويل المدى.

 

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس وفرة الموارد، بل وجود قيادة تمتلك رؤية، ومؤسسات تحكمها الكفاءة والمساءلة، وسياسات اقتصادية مستقرة، وإيمان بأن التنمية مشروع وطني يتجاوز المصالح الضيقة.

 

أما السودان، فإن الطريق إلى المستقبل يبدأ من انهاء الحرب واستعادة الأمن، لأن السلام ليس مجرد غاية إنسانية، بل هو شرط أساسي لأي نشاط اقتصادي أو استثماري. ويلي ذلك بناء مؤسسات دولة مستقلة وقوية، وإصلاح القضاء والخدمة المدنية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتجفيف منابع الفساد، وإطلاق مشروع وطني للتنمية المتوازنة يضمن عدالة توزيع الموارد والفرص بين جميع الأقاليم.

 

وبالتوازي مع ذلك، يحتاج السودان إلى برنامج اقتصادي طموح يقوم على استقرار الاقتصاد الكلي، وإصلاح المالية العامة، وتعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي، وتطوير قطاع التعدين وفق أعلى معايير الحوكمة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وربط الإصلاح الاقتصادي بحماية الفئات الأكثر ضعفًا حتى لا يتحمل المواطن وحده تكلفة الإصلاح.

 

إن السودان لا يحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات، حيث تكون الكفاءة معيارًا للتكليف، والمواطنة أساسًا للحقوق والواجبات، والتنمية هدفًا جامعًا لكل السودانيين.

 

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن التنمية ليست معجزة، وإنما نتيجة طبيعية لحسن الإدارة. وعندما تُبنى المؤسسات على أسس سليمة، ويُحارب الفساد بجدية، وتُدار الموارد بكفاءة، تتحول الإمكانات إلى إنجازات، والثروات إلى رفاه، والسلام إلى استقرار دائم.

 

إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل أزمة السودان سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية؟ بل أصبح: هل يمتلك السودانيون الإرادة لبناء دولة تسبق الأشخاص، وتعلو فيها المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة؟

 

فإذا كانت الإجابة نعم، فإن مستقبل السودان لن تحدده الحروب التي عاشها، بل الدولة التي سيبنيها.

 

محمد عنتر – باحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى