اقتصادية محلية
أخر الأخبار

صرير القلم : د. معاوية عبيد من الشاعديناب إلى كلية الآداب

صرير القلم : د. معاوية عبيد
من الشاعديناب إلى كلية الآداب

كتب الشاعر والأديب الكبير الراحل. بروفيسور عبد الله الطيب من التميراب إلى كلية الآداب فكان الكتاب خير صاحب وكان الانتساب إلى تلك القرية الوادعة خير انتساب ، قرية ترقد في هدوء على ضفاف النيل كأنها تستريح في حضن الماء وتترك للريح أن تحمل منها رائحة الطين والنخيل وصوت المراكب القديمة وحكايات الرجال الذين مروا من هنا وتركوا في الأرض أثراً وفي الناس سيرة ، ولم تكن التميراب وحدها في ذلك فقد كانت قرانا على امتداد النيل مدارس مفتوحة يتعلم فيها الناس من المسجد ومن الشيخ ومن النخلة ومن المراكب ومن سيرة الآباء والأجداد .
وأنا أكتب اليوم لا أملك إلا أن أعود إلى الشاعديناب…
إلى تلك القرية التي كانت مورداً وموردة تصطف عندها المراكب الشراعية قديماً كما حدثنا والدنا المرحوم الشيخ عبيد في آخر ايامه عنها وكأنه كان يعرف أن الذاكرة إذا لم تُكتب أو تروي للأجيال ماتت وأن القرى لا تعيش بالحجارة وحدها وإنما تعيش بما يروى عنها
نشأنا في قرية كان للدين فيها ظل طويل وكان للقرآن فيها صوت لا ينقطع ،قرية عرف أهلها العلم والفقه حتى ارتبط اسمها في الذاكرة بتلك البيئة التي خرجت من رحمها دامر المجذوب حيث كان العلم و العلماء يشار اليهم بالبنان والأخلاق ليست درساً يقال، وإنما كانت حياة يمشي بها الناس في الأسواق والبيوت والمساجد ، كنا نعرف بعضنا بعضاً ،نعرف البيوت وأهلها ونعرف الكبير فنوقره والصغير فنرعاه ونعرف أن الجار أمانة في عنقك .
وفي مسجدها العتيق تعلمنا أشياء كثيرة، تعلمنا التجويد وأصول الفقه، وآداب الحديث وتعلمنا قبل ذلك كله أن للإنسان قيمة وأن المجتمع لا يقوم إلا إذا حمل بعضه بعضاً.
كان ذلك المسجد كتابنا الأول… وكانت القرية مدرستنا الأولى… وكان الآباء والأمهات معلمين لنا حتى من غير أن يقفوا أمام سبورة .
وكانت المكيفات الضارة التي تفسد الصحة والعافية من تمباك وسجائر وغيرها غريبة عن بيئتنا، مرفوضة اجتماعياً وكأن القرية كلها كانت تقول لأبنائها: لا تفسدوا ما بناه الآباء .
ثم مضت السنوات… وتغيرت أشياء كثيرة،
وتغير وجه القرية .
وما يؤلم القلب أن تصل إلينا اليوم أخبار تجعلنا لا نكاد نصدق أن المكان هو ذات المكان وأن الأزقة هي ذات الأزقة وأن الشباب الذين نراهم اليوم هم أبناء أولئك الذين كنا نراهم بالأمس يحملون المصاحف إلى المساجد .
المخدرات… ذلك الوحش الصامت الذي لا يطرق الأبواب وإنما يتسلل من الشقوق ويبدأ بحكاية صغيرة وتجربة عابرة ورفقة سيئة ثم لا يلبث أن يلتهم العمر والصحة والمال والأسرة والمستقبل والأخطر من ذلك كله هو الآيس وغيره من السموم التي لا تقتل الإنسان دفعة واحدة وإنما تأخذ منه شيئاً كل يوم ، تأخذ عقله ثم صحته ثم إرادته ثم علاقته بأسرته ومجتمعه حتى يصبح الإنسان غريباً عن نفسه .
وهنا يحق لنا أن نسأل: ماذا حدث للشاعديناب؟
كيف انتقلنا من قرية كانت المراكب ترسو عند موردها إلى مكان يخشى الناس فيه على أبنائهم من موارد أخرى؟
هل هو إهمال؟
هل هو غفلة؟
هل هو ضعف في المواجهة؟
أم أن هناك أيادي تعبث بعقول شبابنا وتريد أن تجعل من المخدرات جسراً إلى تدمير مجتمع كامل؟
لا أملك إجابة قاطعة لكنني أملك سؤالاً لا ينبغي أن يموت: من يحمي أبناءنا؟
يا ولاة الأمر…
إن المسألة لم تعد تحتمل التأجيل ، إنها ليست قضية مدمن فقط ولا قضية أسرة فقدت السيطرة على أحد أبنائها ،إنها قضية قرية وقضية مدينة وقضية جيل .
أخرجوا هذا السرطان من مدننا وقرانا ….
طاردوا تجار الموت …
جففوا منابع السموم …
احموا المدارس والمساجد والأحياء ، افتحوا أبواب العلاج والتأهيل لمن سقط واضربوا بحزم على أيدي من يتاجر بعقول أبنائنا ومستقبلهم ، نحن لا نريد أن نستيقظ ذات صباح فنجد أن الشاعديناب التي عرفناها لم تعد موجودة إلا في كتب الآباء ، لا نريد أن تصبح حكاياتنا عن المسجد العتيق مجرد ذكريات ، لا نريد أن نبحث عن المراكب فلا نجدها وعن السكينة فلا نجدها وعن شباب القرية فلا نجدهم إلا في قوائم الضياع …
لقد كتبنا مراراً…
وسنكتب مرة أخرى …
وسنظل نكتب حتى يسمع من يجب أن يسمع،
سنكتب لأننا نحب هذه الأرض ، ولأننا لا نستطيع أن نقف متفرجين على بيتنا الكبير وهو يحترق…

نريد أن يعود النيل شاهداً على قرية آمنة لا شاهداً على أحزان أبنائها ، نريد أن يعود المسجد العتيق عامراً بالقرآن وأن تعود ليالي الشاعديناب هادئة كما كانت وأن يعود الصغير إلى بيته آمناً والكبير مطمئناً والأم لا تخاف كلما تأخر ابنها عن العودة .
إن حماية الشاعديناب حماية لذاكرة وحماية لهوية وحماية لجيل كامل ، وما تتهامس به الألسن اليوم إن لم نواجهه قد يصبح غداً صراخاً لا ينفع معه الندم …
لا مهادنة مع تجار الموت …
لا تساهل مع من يستهدف عقول أبنائنا
لا رحمة بمن يجعل من شبابنا سوقاً لسمومه ،
وفي هذه المعركة لا بد أن نقف صفاً واحداً الدولة والمجتمع والأسرة والمسجد والمدرسة والإعلام وكل صاحب ضمير ، نقف مع كل جهد يحمي أبناءنا ويصون أمننا ويحفظ مستقبل بلادنا ، فالمعركة ليست فقط مع مخدر يُباع في الخفاء وإنما مع ثقافة تريد أن تجعل الضياع أمراً عادياً .
وإذا كان آباؤنا قد تركوا لنا قرية يتوسطها القرآن، ويرفرف فوقها صوت الأذان، ويعبر النيل أمامها حاملاً المراكب والحكايات فإن واجبنا اليوم أن نسلمها لأبنائنا كما استلمناها بل أفضل مما استلمناها.
من الشاعديناب إلى كلية الآداب…
ليست المسافة بينهما جغرافيا فقط
إنها مسافة بين قرية أنجبت العلم، وعلمٍ خرج من القرية ليضيء الطريق ، فلا تسمحوا أن يصبح الطريق في الاتجاه الآخر…
طريقاً من العلم إلى الجهل، ومن المسجد إلى المخدر ومن المراكب إلى الضياع
سنكتب…
وسنظل نكتب.
حتى تعود المراكب الشراعية إلى موردها.
حتى يعود المسجد عامراً.
حتى يعود شبابنا.
حتى تعود السكينة إلى الشاعديناب.
فالشاعديناب ليست قرية نريد أن ننقذها فقط…
الشاعديناب ذاكرة نريد أن نحفظها، ومستقبل نريد أن نصونه، ونحن، أبناء هذه الأرض، لن نسمح أن تكون نهايتها حزينة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى