
*حكايه من حلتنا*
*يكتبها : آدم تبن*
*العام الدراسى : علمنى أكتب وأقرأ*
وهاهى الأيام تتسارع لبداية عام دراسي موحد فى بلادنا السودان بعد سنوات من المعاناة للأسر بالنزوح والهجرة بسبب حرب الخامس عشر من أبريل التى أغلقت المدارس وغادر التلاميذ والطلاب الفصول والقاعات الدراسية وفارقوا أحب الأماكن إليهم وهى شهدت بداياتهم وتعثرهم فى الكتابة والقراءة ومصاحبة الأقران والإنتظام فى الدراسة بمواعيد يومية لا تحتمل التأخير أو الغياب إلا لعذر يستحق أن تغيبب فيه من المدرسة ، فكلنا يعلم أن الغياب يدفع ثمنه التلميذ أو الطالب فى الإمتحانات عندما تظهر النتائج الشهرية أو الفترة الأولى أو الفترة النهائية ، وعندها لاينفع البكاء ولا العويل ، فإما متأخرا عن زملائك وعليك أن تعيد فى فصلك مرة أخرى أو تترك الدراسة وتبحث عن عمل فى الأسواق أو الزراعة أو الرعى أو المنطقة الصناعية ، فهى خيارات ماثلة أمامك تختار منها ما يناسبك ، إلا أنها قد لا تكون خيارات مثالية فلابد أن يترك التلميذ أو الطالب أو حتى أسرته الباب مفتوحا أمام العودة للتعليم فهو خيار أمثل لصغر الأعمار ورغبة الأسر فى تعليم الأبناء وإبعادهم من أصدقاء السوء ، ولما لا *(فالعلم يرفع بيتا لاعماد له /والجهل يهدم بيت العز والشرف)* .
وتعود بنا حكاية من حلتنا لتلك السنوات الزاهيات عندما كان التعليم مزدهرا فى بلادنا فى سبعينيات القرن الماضى وثمانياته، وكان للأستاذ حضورا متميزا فى مجتمعه فهو الذى يشار إليه وسط أصدقاؤه ومعارفه تسمع تلك المقولة الشعبية التى وثقت لحبهم للأستاذ المعلم الذى يعلم ويربى الأجيال يقولون لك *(دا أستاذ فلان)* فهو يجد القبول والإحترام إن فى مجتمع ريفى أو حضرى فالأمر سيان يجد التعاون والتقدير من تلاميذه وطلابه وأسرهم فلا أحد يرفع صوته إمام الأستاذ إن أستاذا أو أستاذه فالأستاذ أو المعلم هو شامة وسط المجتمع بهندامه المتميز ولغته البسيطة دون تكلف أو تعال على المجتمع فهو بينهم كأنه أخاهم الأكبر أو ضيفهم العزيز يخدمونه دون كلل أو ملل ، وعندما تحين ساعة رحيله منهم منقولا أو فى إجازة يسارعون لوداعه وعيونهم تبكى حزنا على فراقه كأنه قطعة منهم ، فعندها يعرف أبنائهم التلاميذ أن أستاذهم لم يكن أستاذا لهم فى المدرسة بل صديقا وأخا وحبيبا لآبائهم أو أماتهم، كما قلنا هنا الأستاذ إما أن يكون رجلا فهو مع الرجال وإما أن تكون إمرأة فهى مع النساء ، وهكذا حال الأستاذ يصنع حضورة وبصمته فى المجتمع والمدرسة فلا فرق بينهما فهو معلم ومربى يعلم تلاميذه وطلابه ويشارك آبائهم وأمهاتهم تربيتهم دون أن يأثر ذلك على علاقته بالطرفين *(الأسر وأبنائهم)* ويغادرهم وهم أكثر حبا وإحتراما وتقديرا له ولله در كل إمسك بالقلم والمسطرة والطبشيرة والكتاب معلما للأجيال ومربيا لهم .
ولايزال المجتمع يحيط الأستاذ بالحب والتقدير لأهميته فى تعليم الأبناء وتربيتهم وإكسابهم مهارات التعلم مثل الكتابة والقراءة والإستماع والتفكير والإجابة على الأسئلة والواجبات وتشكيل لبنته الأولى بالتداخل والمخالطة مع أقرانه فى الفصل والمدرسة والأنسجام مع المجموعات التى تتناسب مع ميوله ومواهبه التى تحتاج إلى إكتشاف ومن تشجيعه على تنميتها وتطويرها للأحسن ، بل إن الأستاذ يشكل قدوة حسنة لتلاميذه وطلابه يروا فيه كل الصفات الجميلة والأخلاق الحسنة والمظهر الرائع والتعامل الحكيم ، أذكر أن أحد التلاميذ طلب منه إحضار ولى أمره وعندما أراد ولى أمره أن يعاقبه بنفسه تم رفض مقترحه فما كان من التلميذ إلا وأن طلب أن يعاقبه أحد أستاذته وهنا تظهر أهمية الأستاذ وإدراك التلميذ بأن أستاذه هو الذى يرى مصلحته ، نعم صحيح أن هناك مياها كثيرة جرت تحت جسور التعليم وأصبح التعليم ليس كسابق عهده ولم يعد هناك إهتمام من المجتمع والدولة وأصبحت أغلب الرأى حوله ماديا يعنى لازم تدفع مال عشان ولدك يدرس وينجح وأصبحت فكرة أن التعليم خدمة للمجتمع وتحتاج أن تهتم الدولة بالصرف على التعليم وتوفير ميزانية مقدرة للأستاذ راتب يقابل إحتياجات أسرته أو يقارب لها وتدريب متميز وبيئة عمل جاذبة حتى يحقق التعليم مبتغاه ويزدهر المجتمع بما ناله أبنائه من تعليم ، فالتعليم هو من يقود نهضة الشعوب والمجتمعات ولا بديل غيره .
