مقالات الرأي
أخر الأخبار

مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com *مسكنات السوق وتجريب المجرب*

مهد الحروف

د. هيثم حسن عبد السلام

خبير شؤون المستهلك

mismawia@yahoo.com

 

*مسكنات السوق وتجريب المجرب*

 

أعلنت محلية الخرطوم مؤخراً عن ترتيبات لإعادة تشغيل أسواق البيع المخفض والجوالة لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، معتمدة تشغيل خمسة أسواق في مناطق متعددة مع وضع ضوابط للتوفير المباشر من المنتجين والمصنعين للحد من تدخل الوسطاء. وعلى الرغم من أن الخبر يبدو في ظاهره خطوة نحو المساندة، وجهوداً يُشكر القائمون عليها، إلا أن الواقع يثبت مراراً وتكراراً أن هذه الحلول المؤقتة ما هي إلا مسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تزيل أصل المرض ولا تنهي ألم الشارع السوداني.

 

إن المواطن، وبعد كل ما تجرعه من معاناة الحرب وما فقده من ممتلكات وأمان، من حقه الكامل على الدولة أن يجد منها حلولاً شاملة وناجعة تعالج همومه ومشاكله المتراكمة جذرياً، لا مبادرات استهلاكية أثبتت الأيام عجزها.

 

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا وبقوة: بالله عليكم كم مرة تم تكرار هذا المشروع لتخفيف أعباء المعيشة وفشل في تحقيق الهدف منه؟ ولماذا يفشل في كل مرة؟ إن السبب جليّ للعيان؛ فالقائمون على التنفيذ الفعلي من البائعين في مراكز البيع المخفض لا يلتزمون بسعر مخفض فعلاً، فضلاً عن عدم تواجد تلك المراكز في أماكن تمكّن المستهدفين من الوصول إليها، وإن وصلوا إليها، فأين هي السيولة والنقود التي يشترون بها؟ وأين “تكلفة المواصلات” التي أرهقت كاهلهم؟ وحينها تتحول هذه الخطط إلى مجرد “بنادول” وجرعات تخدير تجعل المستهلك ينام على أمل واهٍ، ليستيقظ مجدداً على ذات الوجع والألم المتكرر والمرض المتلازم.

إننا اليوم في أشد الحاجة إلى حلول حقيقية وتفكير جاد خارج الصندوق، بعيداً عن المسكنات وتجريب المجرب الذي لم يورثنا إلا الفشل، وهنا تتجلى أسئلة جوهرية تمس صلب السياسات الاقتصادية؛ فلماذا لا تلغي الدولة سياسة تحرير الاقتصاد المتبعة؟ ولماذا التمسك بها في ظل هذه الظروف الضاغطة؟ ولماذا لا تتدخل الدولة لتحدد أسعاراً صارمة للسلع الاستراتيجية والأساسية التي يحتاجها كل مستهلك كسائر العديد من الدول من حولنا؟ إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب الانتقال من عقلية إدارة الأزمة بالمبادرات الجزئية إلى فرض سياسات اقتصادية حازمة ورادعة تضمن الرقابة المباشرة، وتلجم جشع الأسواق، وتوفر للمواطن حماية معيشية حقيقية تليق بتضحياته وصموده.

 

 

# الخرطوم – الأحد 6 سبتمبر 2026م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى