مقالات الرأي
أخر الأخبار

صرير القلم : د. معاوية عبيد  إزالة فورية… أم لافتة بلا تنفيذ؟

صرير القلم : د. معاوية عبيد

إزالة فورية… أم لافتة بلا تنفيذ؟

خلال إقامتي في إحدى الدول العربية زرت مع عدد من السودانيين حيًا تجاريًا ضخمًا تمتد مساحته بما يعادل تقريبًا المنطقة الواقعة في الخرطوم من مقابر الرميلة وأبو حمامة جنوبًا إلى النيل شمالًا ومن كبري أم درمان غربًا إلى جامعة الخرطوم شرقًا ،قررت الدولة تحويل تلك المنطقة إلى مركز تجاري عالمي يضم أبراجًا حديثة وفنادق ومشروعات استثمارية كبرى ، بدأت الجهة التنفيذية بإعلان واضح: ( كل من يملك عقارًا داخل حدود المشروع عليه أن يحضر ما يثبت ملكيته خلال شهر واحد، كما خُصص مكتب داخل المنطقة لاستقبال المواطنين وإنهاء الإجراءات ) وخلال تلك الفترة حضر أصحاب الأملاك بوثائقهم واشترت الحكومة العقارات منهم وفق السعر الرسمي ( للمتر )دون سماسرة أو وسطاء أو مساومات لم نشهد احتجاجات أو إغلاقًا للطرق بل وجد المشروع قبولًا عامًا لأن الجميع أدرك أن التنمية تعود بالنفع على المجتمع كله ،بعدها أعلنت السلطات شهرًا آخر لإخلاء المباني ونقل الممتلكات مع تأكيد أن الإزالة ستتم فور انتهاء المهلة وأنه لا استثناء بعد ذلك وبالفعل خلال أسابيع قليلة أصبحت المنطقة أرضًا خالية تمامًا

عدت بعد عدة أشهر أبحث عن الأسواق والمتاجر التي كنت أعرفها فلم أجد سوى أرض جرداء ، سألت أحد السكان فأخبرني أن المشروع يسير وفق الخطة المعلنة وبعد عام واحد فقط تحولت تلك الأرض إلى منطقة حديثة تعج بناطحات السحاب والفنادق والمراكز التجارية وأصبحت إحدى واجهات المدينة الاقتصادية .

هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتعقد الإجراءات في السودان إلى هذا الحد؟ لماذا قد تستغرق إزالة مخالفة بسيطة سنوات طويلة حتي وإن كانت زريبة بهائم من و سط الحي ؟؟؟ ولماذا تتحول قرارات التنظيم إلى نزاعات وإغلاق طرق واحتجاجات بينما تبقى المخالفات قائمة رغم أن اللافتة المعلقة عليها تقول: “إزالة فورية”؟

المشكلة ليست في القوانين وحدها بل في تنفيذها فالدولة التي تحترم القانون تعلن القرار وتعطي الحقوق لأصحابها وتمنح مهلة معقولة ثم تنفذ دون تردد أو انتقائية أما عندما تغيب هيبة القانون تصبح عبارة “إزالة فورية” مجرد لوحة يبهت لونها مع مرور الأيام بينما يبقى المخالف في مكانه عامًا بعد عام .

إن السودان في مرحلة إعادة إعمار وبناء مؤسسات وهذه المرحلة تحتاج إلى خدمة مدنية قوية وإدارة تنفيذية حازمة تطبق القانون على الجميع بعدل وتحفظ حقوق المواطنين بالتعويض العادل وفي الوقت نفسه لا تسمح بتعطيل مشروعات التنمية التي تخدم المصلحة العامة .

التنمية لا تتحقق بالشعارات وإنما بالقرار والعدالة وسرعة التنفيذ وما نحتاجه اليوم ليس كتابة عبارة “إزالة فورية” على الجدران بل أن تصبح ثقافة عمل وممارسة مؤسسية يشعر بها كل مواطن ، فالدول تُبنى حين تكون الكلمة قرارًا والقرار تنفيذًا والتنفيذ في موعده .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى